دراع الخطيب و لسان رئيس الزمالك.. وأنا وانت

تحرير :

٢٩ مارس ٢٠١٩ - ٠٧:٠٠ م

 منذ فترة وأنا أستعد للعودة للكتابة بعد توقف طويل لظروف خاصة أرغمتني على البعد، طلبًا للراحة من ألم اشتباك القلم مع قضايا لا تُحل، ومشاكل لا تنتهي، وحلم لا يتحقق وأمل يحتضر، وجمهور صار عنيفًا وفظًّا وغاضبًا، يُنفس عن ضيقه وهمِّه في غير موضعه ومع غير أهله.. غبتُ بحثًا عن الهدوء فربما يأتي معه الشفاء، ولكن الهدوء لم يأت والاشتباك لم يتوقف، وانتقلت من عالم الكتابة على الورق إلى الكتابة في الكوابيس والأحلام، والاستيقاظ على أفكار وعناوين ودخان يخرج من الرأس.. فزاد همي همًّا ومرضي مرضًا وقلبي شغفًا وولعًا بالكتابة والاشتباك وقراءة ما لا يراه الناس، وكشف ما تخفيه النفوس المريضة التي تقود الرياضة وتتصدر مشهد الحياة، وتعبث في عقول الناس بوجوه مصطنعة وكاذبة.

ﻣﻮﺿﻮﻋﺎت ﻣﺘﻌﻠﻘﺔ

وقررت أن أداوي نفسي بالتي كانت هي الداءُ، وأن أكسر حاجز الشلل الذي يعيشه عقلي ووجداني وجسدي العليل، منذ أن توقفت عن الاشتباك وأعود للكتابة أكثر تحررًا وتحلقًا، حتى وإن كانت لن تحرك ساكنًا في وسط رياضي ميت ومتعفن في فساده، أو تهز شعرة في رأس مسئول يبيع الوهم ويتاجر في الكذب حتى يبقى في مقعده، أو تدفع الغيرة وتضخ الدم النقي في إعلام ضعيف ومدلس، احترف تتويه العقول وحماية الأصنام التي صنعت في الثلاثين عامًا الماضية.. المهم أنها سترضيني، وهذا يكفي.

وبينما كنت أبحث عن موضوع أعود به وقعت عيناي على صورة يجلس فيها محمود الخطيب رئيس النادي الأهلي في الصالة المغطاة في نهائي البطولة الإفريقية للكرة الطائرة للسيدات، رافعًا يده ملوحًا بها للجماهير التي حضرت في المدرجات المقابلة للمقصورة، وللوهلة الأولى اعتقدت أنه يرد تحيتهم، ولكن بعد أن استكملت التفاصيل علمت أنه كان يطلب منهم أن يكفوا عن الهتافات المعادية لآنسات الفريق التونسي الضيف ومن بعده نادي الزمالك وجماهيره ورئيسه.

 

 

وإن كنت أدرك لماذا يهتفون ضد الزمالك، وهي عادة قبيحة زادت واستفحلت وانتشرت بشكل مرعب بين جماهير الفريقين مؤخرًا، وبالأخص على منصة العالم الافتراضي (السوشيال ميديا)، إلا أنني لم أفهم لماذا الهجوم على الأشقاء التوانسة، وما الجريمة التي ارتكبتها آنسات الفريق المنافس اللاتي خسرن بسهولة أمام الأهلي (3/1)، ليتوج الأهلي بلقب البطولة؟

من الغباء الظن أن ما يحدث هو حماس جماهيري وبذاءات مرتجلة في وقتها ومعارك تنتهي بنهاية المنافسة، فالقضية باتت أعمق وأكبر وأخطر من تناولها كمشكلة بين جماهير أو إحن قديمة يتم تصفيتها بالهتافات في المدرجات. 
وكيف لنا أن نفهم أو نعقل أن هذه الجماهير لم تتعظ لوفاة 72 مشجعًا من الأهلي و20 من الزمالك، ألم يكف كل هؤلاء الموتى من الشباب والأطفال سببًا لوأد الفتن القديمة؟ ألا تكفي كل هذه الدماء البريئة لتطفئ نار التعصب؟ أليس لنا في هذه الأرواح التي أزهقت بلا ذنب عظة وعبرة نعتبر بها حتى لا تتكرر المآسي؟ الإجابة الوحيدة التي تفسر لنا استمرار التعصب الأعمى، القول بأنهم لم يموتوا قدرًا في الملاعب، بل ماتوا بفعل فاعل، وهذا هو لب الفتنة ومبعثها، أن هناك من يبثون في نفوس الشباب من مشجعي الكرة هذا الاعتقاد الخبيث، ويستغلون الأحداث الآنية لإذكاء روح الغل والكره والانتقام، أملًا في وقوع الفتنة الكبرى والمذبحة التي تهز البلد وتضرب دعائم أمنه واستقراره. 

وعن نفسي لست مهتمًّا بالبحث أو تسمية اليد الخبيثة التي تفعل ذلك، فهذا دور أجهزة الأمن والمحققين، فالمتربصون كثر: جماعات دينية محظورة، وأخرى متطرفة مجنونة، وقوى استبعدت من المشهد، كل يشارك بخبثه على قدر غله واحتقانه، وليس أسهل من كرة القدم مناخًا ولا من جماهيرها سذاجة لتوجيههم ودفعهم للمشهد المأساوي. 

كما قلت لست مهتمًّا من هو الخبيث، لأنه جبان ومتخفٍّ ومواجهة شره وخبثه أسهل من البحث عنه. ونأتي للسؤال المهم كيف واجهنا الخبث والخبثاء، وماذا فعلنا لاتقاء شر الفتنة التي تزداد يومًا بعد يوم منتظرين الأسوأ؟ 

الإجابة معروفة لا تحتاج إلى تفكير… لم نفعل شيئًا، بل هناك منا من يشعلها ويذكيها عن سوء قصد أو مناجاة للجماهير حتى تحمي مقعده...

وتعالوا نستعرض موقف الأطراف الفاعلة واللاعبة في المعادلة:

أولًا: نبدأ بسيد الأندية وكبيرها قيمةً وقدرًا وجماهير وبطولات، فاليد التي رفعها الخطيب أضعف من أن تهش ذبابة، لا أن تئد فتنة أو تقوِّم قلة من جماهير وتخرس ألسنتهم الطويلة. فكنت أظن أن الخطيب ومجلسه لو أن لديهم نية صادقة في إيقاف تلك المجموعة الغوغائية من الجماهير لكان أصدر بيانًا يلومهم فيه على تصرفهم الأرعن، ويعتذر للأشقاء التوانسة، ويؤكد أن هؤلاء المدفوعين لا يعبرون عن جماهيرالأهلي الكبيرة والحقيقية، خاصة أنه يتحمل وحده مسئولية الجماهير داخل ملعبه، بعد أن صار دخولها وحجز مقاعدها بالبطاقة الشخصية.

هكذا كان يفعل سابقه (لا أريد أن أذكر اسمه الكريم، حتى لا ترتعد فرائصهم من الغيرة أن يعود بعد أن رحل بلا عودة)، فأذكر عندما فعلوا ذلك وهتفوا في الصالة المغطاة ضد الدولة وأجهزتها الأمنية، أصدر بيانًا استنكر فيه تصرفهم وعاقبهم بالمنع من دخول النادي، وعلى النقيض حدث نفس الموقف المخزي من تلك القلة، وهتفوا غناءً ضد الدولة وسموا بعض قياداتها، واحتفلت بهم القنوات الإخوانية أيما احتفال، بينما لم يفتح أحد من مجلس الأهلي وإدارته فمه وصمتوا صمت القبور. وهو صمت لا أفسره على أنه رضا بما حدث، ولكن خوف ورعب من الوقوف أمام الجماهير، فينقلب الهجوم عليهم كما حدث مع سابقهم، الذي كانت تلك القلة تهتف ضده وتحاربه على السوشيال ميديا، بينما الأهلي منتصر ورايته عالية.

فالقصة ليست تشجيعًا رياضيًّا، بل توجيه سياسي على إدارة الأهلي أن تتحمل مسئوليتها، وألا ينساق الخطيب أكثر من ذلك وراء بعض أعضاء مجلسه، الذين يرتبطون بعلاقات وثيقة (بما تحمله الكلمة من معنى وأعباء) مع صفحات تحمل اسم الأهلي، وترفع صور رموزه، وبعضها يرفع صور أعضاء مجلس الأهلي نفسه في إعلان فاضح للعلاقة، بينما تغذي تلك الصفحات الخبيثة روح الفتنة وتنظم حركة تلك المجموعات المارقة، وتبث في شباب يحب ناديه روح الانتقام والكره من الآخر، أيًّا كان الآخر زمالكاويًّا أو بورسعيديًّا أو تونسيًّا أو سعوديًّا.

وكل هذا يحدث تحت غطاء حب الأهلي والدفاع عنه، وفي نفس الوقت تدافع تلك الصفحات عن المجلس حتى عندما فضحت قضية الساعات الروليكس المخزية.

إذا كانت مؤسسة كبيرة مثل الأهلي تقف بهذا الشكل المخزي تجاه مواجهة الشغب والعنف والبذاءات، ويسمع الخطيب الهتافات بأذنه في الاستاد والصالة المغطاة، وهو موقف إن لم يفهم على أنه حماية لهم، فهو على أقل القليل تخاذل في مواجهتهم.

وهنا أوجه خطابي للخطيب وأدعوه أن يعود بالذاكرة للخلف، وبالتحديد يوم 31 ديسمبر عام 2011 وقتها كنت نائبًا لرئيس النادي الأهلي حسن حمدي، وكانت مباراة المحلة والأهلي، وشاهدنا المشهد المرعب، عندما نزلت جماهير المحلة إلى أرض الملعب وحالت بينها الشرطة وبين الوصول لجماهير الأهلي الغفيرة، وألغيت المباراة، ولو تذكر أن جماهير الأهلي التي كانت تحضر المباريات وقتها كانت هتافاتها سياسية وعدائية لأجهزة الدولة. وارجع إلى شريط مباراة الأهلي والمقاولون يوم 28 يناير 2012.

 

 

ولم تنتبه إدارة الأهلي أن مدرجات فريقها تحولت لمعترك السياسة، ولم تحرك بنت شفة، ووقفت صامتة، كما هي الآن، ولم تتخذ موقفًا سواء بتقويم الجماهير وتحذيرهم وإعلان رفضها لما يفعله بعض المسيسين منها، أو يسترعي انتباهها حجم العداوة وتبادل الوعيد بين جماهير ألتراس الأهلي وجرين إيجلز (ألتراس المصري)، وهي عداوة كانت تنذر بأن أمرًا جللًا سيحدث، وبالفعل حدثة الكارثة ومات شباب بريء، ووقتها لم يلُم أحدٌ مجلسَ الأهلي ولو حتى معنويًّا.

أعود وأوجه حديثي للخطيب كنجم صنعت الجماهير شعبيته وأحبته لا كرئيس (أراه دون مستوى المسئولية)، وأنبهك ألا تقع في الخطأ مرة أخرى، وأذكرك أن دورك كبير بحجم محبة الناس لك في وأد الفتنة، وأن التاريخ لن يذكر ما تكتبه عنك كتائب السوشيال ميديا، فهي تطير بمجرد رفع الأصابع من على الكيبورد وتنقلب عليك في لحظة، إذا أعاد مشغلها التوجيه، بل سيذكر لك أنك حميت أرواح جماهيرك وتمسكت بمبدأ أن المدرجات للتشجيع الرياضي المحترم لا لتبادل السباب والبذاءات مع المنافسين أو التطاول على أجهزة الدولة، خاصة أن هذه القلة سبق واقتحمت مران الفريق في فرع النادي الأهلي بمدينة نصر وهاجمت اللاعبين واعتدت عليهم بالضرب في سابقة خطيرة وغير مسبوقة تناولتها الصحف العالمية، وتسببت في تظفيش الهولندي مارتن يول المدير الفني السابق . 

ثانيًا: الطرف الثاني في المعادلة الزمالك، مدرسة الفن والهندسة والذوق الكروي الرفيع، وهو الآخر له جماهيره العريضة ثابتة على تشجيعه رغم كثرة انكساراته. وعندما نتحدث عن الزمالك فنحن نتحدث عن رئيسه وليس أحدًا غيره، فهو كل شيء، العلم والنشيد واللاعب والمدرب والماضي والحاضر والمستقبل، يقدم نفسه باعتباره قائد كوماندوز التخلص من شغب جماهير الوايت نايتس، وإنهاء وجودها في المدرجات، ويتباهى بتجربته في تنظيم دخول الجماهير الصالحة للاستخدام الكروي في المدرجات. ونسي أو تناسى أنه هو الآخر كان رئيسًا لناديه وقت وفاة 20 مشجعًا في استاد الدفاع الجوي.

وهو يفعل على نقيض رئيس الأهلي، حيث يواجه بعنف وحدة ويشتبك معهم كأنهم على قاعدة واحدة من الوعي والإدراك والفئة العمرية، وهي طريقة تنفر المعتدل وتستعدي المحب وتشتت أكثر مما تجمع. وبينما خطاب الزمالك واضح وقاطع في إدانة المتطرفين والمسيسين من الجماهير، ويدعي أنه يحارب الشغب، إلا أن الخطاب الإعلامي الذي ظهر مؤخرًا من خلال البرامج التي ينتجها النادي ويقدمها نجوم كرة وإعلام وصحفيون لهم أسماؤهم ووزنهم، وتظهر وتختفي كل يوم وربما كل ساعة على قناة تليفزيونية، حيث يتعقبها المجلس الوطني للإعلام بالإيقاف والإغلاق، نظرًا لما تتضمنه من إساءات مباشرة من رئيس النادي لأطراف في المنظومة الرياضية وخارجها، فإن أسوأ ما تحمله هذه البرامج التي تجد إقبالًا ومشاهدة عالية لدى جماهير الزمالك التي حرمت من منبر إعلامي يدافع عن مصالح ناديها وفرقها الرياضية لفترة طويلة من الزمن، كانت فيها قناة الأهلي تملأ السمع والبصر، بتمجيد إنجازات فرقها ومجالس إداراتها والدفاع عن مصالحها بالحق والباطل، فإن أسوأ ما تحمله الرسالة الإعلامية تركيزها على أن الزمالك كان مقهورًا ومظلومًا طوال تاريخه، وأنه خسر العديد من البطولات والألقاب بسبب أخطاء الحكام المتعمدة تجاه فريقه والمجاملات الصارخة للفريق المنافس، وأن النادي سُرق منه أعز ما يستحق وهو لقب نادي القرن الإفريقي، وغيرها من قضايا وأحداث قديمة وحديثة تعبئ نفوس الجماهير بالغضب والضيق، وتلهب حماسهم وغضبهم ضد المنافس. كما أنها تبرز نقاط الضعف في الخصم وتضغط على أخطاء مجلس إدارته (مثل فضيحة الساعات الروليكس وصمة العار التي تريد الجماهير نسيانها)، وهي أمور تلهب غيرة وضيق وغضب جماهير الأهلي، ويستفيد منها المتربصون الذين يسعون لتأجيج الفتنة فيجدون في هذا الخطاب ضالتهم يزيدون بها رقعة الغضب والفتنة حتى نصل إلى ساعة الذروة وميقات الانفجار. 

ثالثًا: ويشارك اتحاد الكرة بنصيب هو الآخر في هذه الفتنة، وخلق المناخ الخصب لتأجيج العداوة، بسوء إدارته وغياب العدل بين الفرق، والأهم غياب التحكيم العادل، وهذا مربط الفرس، وأنا هنا لا أملك دليلًا لاتهام أحد بتوجيه الحكام لطرف على حساب الآخر. وإذا كان هناك أهواء فهي شخصية لدى بعض الحكام، ولكن فتنة اتحاد الكرة تأتي من ضعف مستوى حكامه وتقاعسه المتعمد في رفع مستواهم وتأهيلهم ورفع رواتبهم وصرفها في مواعيدها. ولحسن الطالع فإن الاتحاد الدولي استحدث نظامًا عظيمًا لتحقيق العدالة في الملاعب، وهي تقنية الفار أو التحكيم بالفيديو؛ وهو حكم مساعد يشاهد المقاطع المصورة ويكون على اتصال بحكم الملعب ويمنحه الفرصة لتصحيح أخطائه، إلا أننا وكعادتنا في الخوف من كل جديد وإصرار الدولة العميقة للعبة التي يجلس على رأسها المهندس هاني أبو ريدة، صاحب الألقاب القارية والدولية (التي لا تفيد أحدًا سواه) ما زلنا نقاوم تطبيقها ونتحجج بتكلفتها الباهظة والتدريب الشاق عليها وعدم جاهزية ملاعبنا لها، وهو كلام فارغ وتافه إذا قورن بحجم الكوارث التي يرتكبها الحكام والفتنة التي تقع بين جماهير الأندية من قراراتهم، وفي حالة استثنائية مثل التي نعيشها فإننا نحتاج إلى أن نضاعف مجهودنا ونغلق كل المنافذ التي يتسرب منها المتطرفون والخبثاء، والتي منها دون شك سوء التحكيم. 

والآن يجب على الدولة أو الحكومة أو القائمين على أمرنا أن يدركوا أن سمعة مصر تقف على المحك، وأن كرة القدم هي المنفذ المفتوح لزعزعة الاستقرار، وأن إغلاق هذا المنفذ يحتاج إلى تحميل كل طرف مسئوليته، وأولها أطراف المنظومة الرياضية.

التعليقات