أسامة خليل يكتب: بيبو والحج إلى بلاط القصر

تحرير :

٢١ أغسطس ٢٠١٩ - ٠١:٥٩ م

جزء كبير من أزمة هذا الوطن وتخلفه وغياب وعيه وانتشار الفساد واهتزاز قيم الحق والعدل والمساواة فى أغلب مجالاته يعود بشكل أساسى لغياب إعلامه أو تغييبه، فالإعلام فى مفهومه الصحيح هو المرآة التى نشاهد فيها وجهنا الحقيقى ونكشف من خلالها عيوبنا، أما إذا كانت المرآة مكسورة ومشروخة فالأكيد أنها ستعكس صورة غير حقيقية للواقع، مرآة تعكس الحق باطلا والباطل حقا، ترى عيوب شخص وتكشفها وتفضحها، بينما تخفى وتدارى وتتكتم على نفس العيوب من شخص آخر، مرآة تقلب ما تراه على مزاجها وأهوائها وأجندة مصالحها. 

وعن نفسى سأحدثكم عن مرآة الإعلام الرياضى التى أختص بمتابعتها ومشاهدة ما تعكسه للناس وسأكشف لكم كيف تغيب وعى الناس وتقودهم لرؤية غير حقيقية وغير عادلة، فعلى سبيل المثال قام مجلسا إدارة الزمالك والأهلى بفعلين غريبين الأسبوع الماضى، فالأول اجتمع عن بكرة أبيه وبكامل هيئته، ما عدا المغضوب عليهما (هانى العتال وعبد الله جورج)  فى منزل رئيس النادى ليلتقطوا الصور التذكارية مع اللاعب التونسى حمدى النقاز وهى الصفقة التى ظن الأعضاء أنها قوية ومهمة وستغير من موازين القوة فى بطولة الدورى وتعيد الزمالك من الضياع الذى يعيشه فريقه الكروى ووجدت فى الإعلام الكثيرين الذين انتقدوا هذا الموقف الشائن والمهين من أعضاء مجلس الزمالك، وهناك من وصفهم بأنهم يقللون بتصرفاتهم الصبيانية من قيمة القلعة البيضاء وقدر المكان الذى يحتلونه، ولم يفت البعض الآخر أن يقارن بينهم وبين مجلس الأهلى الذى ابتعد عن الإعلام منذ انتخابه ولا يرتكب أعضاؤه مثل هذه الأفعال الصغيرة وهى بالفعل من وجهة نظرى أفعال صغيرة وصبيانية وتشوه صورة النادى وتقلل من احترام الرأى العام لأعضاء مجلسه وتفقد الجماهير الثقة فيهم، إلا أنها تبقى واحدة ضمن سلسلة أخطاء كثيرة يرتكبها مجلس الزمالك حتى وصل فريق الكرة إلى الحالة المزرية التى يعيشها حاليا. 


على الجانب الآخر فإن الإعلام الذى يتحدث عن القيم والمبادئ التى يهدرها مجلس الزمالك وطريقته الصبيانية فى إدارة شئون النادى هو نفسه الذى تجاهل تماما التعرض بالنقد أو مجرد الحديث عن الزيارة الخاصة جدا والغامضة جدا جدا التى قام بها رئيس النادى الأهلى الكابتن محمود الخطيب ونائبه وأمين صندوقه خالد الدرندلى وعضو المجلس خالد مرتجى إلى السعودية على متن طائرة خاصة لزيارة قصر السيد تركى آل الشيخ رئيس الهيئة العامة للرياضة فى دولة السعودية الشقيقة، والذى منحه مجلس الأهلى قبل أسبوعين الرئاسة الشرفية للقلعة الحمراء دون أن يفصح عن الأسباب القوية التى دفعته لمنحه اللقب الكبير، وإن كان الحديث الرسمى الذى خرج من الأهلى يقول إن سبب الزيارة هو لقاء المستثمرين المحتملين، والمجهولين لنا جميعا، وربما لمجلس الأهلى نفسه، والذين سيتولون بناء مشروع القرن أو استاد الأهلى وهو المشروع الذى سبق ووصفته فى مقال سابق بأنه مشروع الفنكوش، استنادا إلى عدم إعلان أية تفاصيل أولية عن طبيعة الاتفاق المالى والاقتصادى وحقوق الأهلى وحقوق المستثمرين والميزانية التقديرية للمشروع والأرض التى سيقام عليها، وهى أسئلة كان يتعين على مجلس الأهلى أن يأخذ وقته كاملا للإجابة عنها، حتى ولو استمرت المفاوضات عاما كاملا قبل أن يعلن، أما أن يتورط فى الإعلان دون أن يكون قد التقى مع المستثمرين وتناقش على الشروط، فهذا ما أراه فنكوشا إداريا، خاصة أن نائب رئيس النادى الأهلى عاد من الزيارة الكريمة ليقول فى تصريح إذاعى إن ممثل المستثمرين -وهو نفسه رئيس شركة صلة الراعية للأهلى (تداخل وتضارب مصالح)- سوف يحضر إلى القاهرة للتوقيع على مذكرة تفاهم لمشروع القرن، وهو ما يثبت ما قلته من أن المشروع فنكوشى، فكيف يعلن عن مشروع اقتصادى قد تصل تكلفته التقديرية إلى ما يزيد على 8 مليارات جنيه قبل أن توقع مذكرة تفاهم، وهى الخطوة الأولى قبل النقاش التفصيلى. 
وما أقوله لا يخفى على أحد وليس فيه إبداع نقدى يحتاج إلى مجهود من الزملاء الإعلاميين الذين يتكتمون الحديث ومناقشة هذا الأمر، بينما تجدهم أشاوس فى

انتقاد عيوب الآخرين.

 
والمضحك المبكى ما أشيع فى أعقاب زيارة قيادات الأهلى للشقيقة السعودية من أن السيد تركى آل الشيخ سيتبرع للأهلى بلاعب عالمى، وللحق فإن الرجل الذى يقوم بدور كبير لإنقاذ الكرة السعودية من عثرتها المالية ويتبرع بتمويل صفقات اللاعبين للأندية السعودية المتعثرة، وهو الذى مول شراء لاعبى الأهلى للأندية هناك لم يصرح بشىء ولكن الحواريين أطلقوا الإشاعة التى انتهت إلى لا شىء حتى الآن. 
ومن الأمثلة الأخرى التى تكشف فساد مرآة الإعلام الرياضى والكيل بمكيالين، الموقف الصامت من قيام إدارة النادى الأهلى بأوامر من الكابتن محمود الخطيب بإعارة ثلاثة من نجوم الفريق الأول إلى الأندية السعودية، وهم مؤمن زكريا وأحمد الشيخ وعماد متعب، وهو قرار يتحمله الجهاز الفنى ولجنة الكرة وهم الأدرى بمصلحة الفريق، وأنا هنا لا أميل للرأى الذى يقول إن الخطيب يريد تصفية فريق الكرة الحالى، والذى تنسب إنجازاته للمجلس السابق باعتبار أنه نفس القوام ونفس المدرب ولم يدخل عليه تعديلا.
ولكن ما أعيب عليه هو الإعلام الذى تعامل برضا وترحاب بقرار رحيل النجوم الثلاثة فى الوقت الذى كان فيه نفس الإعلام ونفس الأشخاص ونفس الوجوه تنصب الحفلات فى الصحف والمواقع والبرامج الرياضية (الموجهة) لتكيل الاتهامات والتجاوزات والأوصاف السيئة إلى محمود طاهر رئيس الأهلى السابق والمشرف على الكرة حينها، لأنه استغنى عن أحمد حجازى إلى "ويست بروميتش الإنجليزى" مقابل مليون و100 ألف يورو، وهو أكثر من المبلغ الذى رحل به اللاعبون الثلاثة على سبيل الإعارة إلى الدورى السعودى لمدة نصف موسم، ثم كان المكسب الأكبر بشراء النادى الإنجليزى لحجازى مقابل 4 ملايين يورو وفقا للشرط المنصوص عليه فى عقد الإعارة الذى أبرمه المجلس السابق. 
وما زلت أملك عشرات، بل مئات الأمثلة على فساد المعالجات الإعلامية وارتباطها بالأهواء وغياب قيم العدل والحق فى النقد الموضوعى، ولكننى أكتفى بهذا القدر. 
لم أكن أتخيل أن هناك شيئا مشتركا يمكن أن يجمعنى بالوزير خالد عبد العزيز فى ظل خلافى الكبير والعميق والجذرى معه فى إدارته لأزمات الزمالك ومواقفه الباهتة وانحيازه بقوة لأطراف فى الأهلى وتغليبه لجماعة على أخرى، حتى جمعنى به مؤخرا احتفالية الأوبرا الغنائية بذكرى مرور مئة عام على ميلاد الزعيم الراحل والمناضل الأعظم فى التاريخ الحديث لهذه الأمة الرئيس جمال عبد الناصر.
وفى البداية كنت أظن -وكان الظن إثمًا- أنه جاء كنوع من المداهنة للنظام وممالأة الرئيس السيسى الذى أعلن فى أكثر من مناسبة اقتناعه بأفكار عبد الناصر عن التحرر والاستقلال والبناء الذاتى للوطن، ولكن لظروف جلوسى وزوجتى فى الدور الرابع من المسرح الذى امتلأ عن آخره بحضور أشخاص تتراوح أعمارهم من 50 إلى 80 عاما
(واضح أن محبى ناصر والمقتنعين بأفكاره التحررية والوطنية وأهدافه النبيلة فى طريقهم للانقراض) بعضهم متوحدون مع ناصر لدرجة أنهم كانوا يبكون ويقفون تبجيلا فى كل مرة يذكر فيها اسم الراحل العظيم فى الأغانى التى أنشدتها فرقة الموسيقى العربية ومطربوها الشباب الموهوبون وفرقتها الموسيقية العبقرية.
المهم، لظروف جلوسى فى أعلى قمة المسرح وكشفى للصالة، تابعته فوجدته يجلس فى الصف العاشر بين جمهور الصالة العاديين وليس فى المقدمة مع كبار المدعوِّين وبدا صادقا فى انفعالاته وتصفيقه وقيامه عند ذكر اسم ناصر، فتأكدت أننى أخيرا وجدت شيئا يجمعنى بخالد عبد العزيز.

أسامة خليل يكتب: بيبو والحج إلى بلاط القصر

التعليقات