بعد الحكم النهائى فى مذبحة بورسعيد: الدماء تلوث النخبة

تحرير : أسامة خليل

٢٢ فبراير ٢٠١٧ - ١٠:٢٢ م

 أن تأتى متأخراً خَيْرٌ من ألا تأتى على الإطلاق؟.. صحيح جاء الحكم النهائى البات الذى لا مفر منه إلا تنفيذه فى قضية «مذبحة بورسعيد» التى راح ضحيتها ٧٢ شاباً فى ملعب كرة.. أقول جاء الحكم متأخراً، ولكنه وصل ليضمّد بعضاً من الجراح المفتوحة فى نفوس آباء وأمهات فقدوا جزءاً عزيزاً وغالياً لا يُعوّض من قلوبهم، ورحل عنهم أحبتهم دون ذنب اقترفوه أو خطأ ارتكبوه سوى التوحد فى محبة ناديهم والسعى خلفه.

 
صحيح الحكم جاء ليغلق ملف القضية جنائياً، ولكن هل بحق أُغلقت القضية نفسياً ومعنوياً واجتماعياً ورياضياً؟ هل يمكن أن تعود الروح مرة أخرى للرياضة وتعود الحياة للمدرجات أم أن شبح الـ٧٢ شهيداً سيطاردنا فى كل مباراة وعند كل تجمع جماهيرى؟
 
الأكيد أن مثل هذه الكوارث المخيفة والمرعبة تظل عالقة فى أذهان الناس والشعوب لسنوات طويلة، ونسيانها إلى جانب أنه يحتاج إلى وقت طويل يتطلب منا جميعاً مجهودا وعملا حقيقيا حتى نتفادى وقوعها مرة أخرى، وحتى نقتل فى نفوسنا وذكرياتنا شبح الخوف من التكرار.
 
وللأمانة، ولأننى لا أملك إجابة عن هذا السؤال الصعب ولكن أملك الرغبة والتمنى لتجاوز هذه المحنة، فقد ذهبت للأستاذ رجائى عطية، وهو ليس فقط المحامى الرئيسى للدفاع عن حقوق الضحايا، أو أنه يعلم التفاصيل الدقيقة لهذه الكارثة بحكم أنه عاش مع أوراقها وشهودها سنوات من البحث.. ولكنه قبل ذلك هو رجل علم متبحر فى القانون، دراسة وعملاً وخبرة، كما أنه مفكر وكاتب فى شؤون الدين وسير الأنبياء والصحابة والصديقين والمتقين، وله من المؤلفات فى شؤون الحياة والدين والقانون ما يزيد على الأربعين كتاباً.. وفوق ذلك يملك نواصى الحكمة.. عندما تسمعه تستأنس برأيه حتى وإن اختلفت معه، وزاد على كل ذلك أنه عاشق للنادى الأهلى، من المستنيرين فى هواه، وليس من المتعصبين. أقصد أن الاستماع لوجهة نظر هذا الرجل العلّامة مهم جداً، عسى أن نجد طريقا للخروج من الأزمة النفسية التى نعيشها.
 
فى البداية ظن- هو- أننى أريد منه تعليقاً على الحكم، فانطلق قبل أن أسأله: «ليس من أخلاقى أن أعلق على عمل قمت به أو حكم صدر لصالحى، خاصة هذه القضية، فأنا أحترم الروح التى خلقها الله سواء كان قاتلاً أو مقتولاً، فتبقى روحاً كرمها الله».
 
استأذنته التوقف عن الاستدراك وهو يقول: «أنا لا أتحدث، وقد اعتزلت الحوارات والكلام لأنه لم يعد أحد يستمع، فهم يبحثون عن الإثارة والتشويق، وهى سلعة غير متوافرة عندى». وألقيت عليه سؤالى- وإن لم يعجبك لا ترد-: «هل بهذا الحكم قد أُغلقت القضية؟»، فردّ بسؤال استفهامى غرضه النفى: «هل قضايا الرئيس الأمريكى (جون كنيدى) و(الليثى ناصف) و(سعاد حسني) وانتحار (مارلين مونرو).. هل أُغلقت؟» وواصل: «هناك قضايا فى التاريخ تبقى مفتوحة وتظل علامات الاستفهام مطروحة قد يُجاب عنها بعد عشرات السنين أو لا يُجاب، ولكنها تبقى لغزاً. وقضية أبنائنا من ضحايا ملعب بورسعيد من تلك النوعية من القضايا التى تُغلق ظاهرياً وتظل علامات الاستفهام باقية». سألته: «وهل تبقى علامات استفهام بعد هذا الحكم؟».
 
أجاب: «نعم.. مازالت لدىّ علامات استفهام.. فمن غير الطبيعى أن يذهب شباب على أرجلهم لمشاهدة مباراة فيعودوا فى نعوش.. أمر بشع.. نعم هناك تعصب وحساسية بين جمهور الأهلى وجماهير خط القناة (بورسعيد، الإسماعيلية، السويس) ولكن لا يُعقل أن يصل التعصب لقتل ٧٢ نفسا، وهى علامة استفهام لم أجد لها إجابة فى الأوراق. ولكن الحكم النهائى حقق أمرين مهمين فى مسار هذه الكارثة، الأول: أنه خفف من أوجاع أسر الضحايا، والثانى: أنه إقرار لحكم القانون، حيث لا يوجد من يفلت من العقاب.
 
واصلت محاولة الفهم والاقتراب من حكمة الرجل: «أفهم أن النفوس مازالت فيها غُصة، وأن عودة الحياة للملاعب أمر صعب»، فاسترسل بدوره: «علينا أن نعترف بأن جزءاً أساسياً فى الأزمة يأتى من جهلنا وضحالة ثقافتنا وتعصبنا الأعمى للأندية، مجتمع لا يريد أن يعترف بأن الرياضة فوز وهزيمة، وأنها وسيلة للمنافسة والمتعة.. انظر إلى رياضة الملاكمة وهى من أعنف الألعاب وأشرسها، تبدأ المباراة بالسلام، والسلام يؤكد أننا جئنا لنلعب وليس لنقتل بعضنا، ولكن فى بلدنا حوّلنا الرياضة لمعارك وتعصب، نحن جميعاً مسؤولون عما حدث لأننا مجتمع لا يعترف بالاختلاف والتنوع، والعنف هنا هو ترجمة لتلك الثقافة العدائية أو لتلك الضحالة الفكرية والإنسانية.
 
أرجع بالذاكرة لثقافة هذا الشعب فى الأربعينيات والخمسينيات، كنت أذهب وأشاهد المباراة ولا يفصلنى عن اللاعبين سوى خط أبيض، وأنا هنا أعنى الكلام وليس مجازا، فكنت أجلس على الخط الأبيض المرسوم بالطباشير ولم يخطر بخيالنا أن نقتحم الملعب أو نعتدى على الفريق المنافس أو الحَكم، أما الآن فرغم وجود الحواجز والأسوار الحديدية ومئات الجنود إلا أنك لا تأمن ما سيحدث.
 
فالقضية أن الثقافة اختلفت، وبات العنف هو الأساس، واحترام الآخر هو الاستثناء».
 
وانساب حديث الأستاذ رجائى عطية، وكأننى رفعت الغطاء عن وعاءٍ يغلى: «فى أوروبا لا يوجد عسكرى مرور، ولكن الجميع يحترم الإشارة.. إنها الثقافة.. أتعلم لماذا ظل (صالح سليم) محل احترام من الناس حتى الآن رغم أنه لم يكن أبرع لاعب؟ لأنه كان الوحيد المتمسك بالقيم والمبادئ فى مجتمع كله غلط!».
 
وعدت أسأل الأستاذ: الحل كما فهمت من كلامك فى تغيير ثقافة الناس، وهو أمر يحتاج إلى سنوات، ما يعنى أن الحياة لن تعود للملاعب فى القريب العاجل؟
 
توقف محدثى ليمنحنى مزيدا من حكمة خبير، كاشفا وجهة نظر مفادها «ابحث عن النخبة»، وواصل: «قبل أن تتحدث عن تغيير ثقافة الناس علينا أولاً أن نعالج ثقافة النخبة، فهم السبب فيما وصلنا إليه، بل الأدهى أنهم دعاة للتعصب وتأجيج المشاعر، وتابع ما يفعله المدربون ورؤساء الأندية والبرامج.. السوس ضارب فى النخبة التى من المفترض أنها طليعة المجتمع أو هى تلك الفئة التى توجه الناس، فإذا كانت النخبة تدعو للعنف وترفض قبول الآخر وتعتبر الرياضة ساحة معركة، فكيف تستطيع أن تغير الناس؟!».
 
أعود وأسأل: ما تقوله يحتاج لزمن طويل وقد يحدث أو لا يحدث. أجابنى: «كنت أحدثك عن جذور المشكلة التى أدت لما نحن فيه، أما الحل فيجب أن يسير فى خطين متوازيين، الأول: العاجل وهو تنفيذ سيف القانون فوراً على المخالفين، ولكن قبل أن نذهب لنستعمل السيف علينا أولاً أن نهيئ المناخ حتى نستعمل السيف مع المخطئ الحقيقى فلا نظلم أحداً، بمعنى علينا أن نوفر فى ملاعبنا كل الاشتراطات التكنولوجية والأمنية حتى نضمن أن من يُقدم للمحاكمة هو المخطئ بالفعل، أما العشوائية فى الاتهامات فهى معطلة للقانون وغير عادلة، فإذا وفرنا الكاميرات وأحكمنا الرقابة على المنافذ وقتها سنجد المخطئ بسهولة، ومع إنفاذ القانون سيتوقف العنف، ويبقى أن نسير فى نفس الاتجاه بإصلاح النخبة المسوسة وبعدها سيمتثل الناس».
 
هل أفهم من ذلك أن تأخر عودة الحياة للملاعب يعود لبطء النظام السياسى أو الحكومة فى إنفاذ القانون؟ (سألت من جديد)،
 
أجاب الأستاذ قائلاً: «كما قلت، نحن جميعاً شركاء فيما وصلنا إليه، وبالتأكيد الحل يأتى منا جميعاً، وعن نفسى لا أملك أن ألقى اللوم على نظام سياسى يواجه هذا الكم المرعب من المشاكل، فسيناء تحولت إلى معركة قتال، يموت فيها جنودنا أمام عدو إرهابى بشع. والإخوان منذ ٣٠ يونيو يرفضون التعايش، رافعين شعار (إما نحكمكم أو نقتلكم)، وتحولت المعارضة إلى إيذاء للوطن، وفى الخارج يفرضون عليك حصارا اقتصاديا من الاتحاد الأوروبى وأمريكا، ودخلت تركيا ومعها دويلة صغيرة مثل قطر.. وعلينا أن نكون منصفين، فما يمر به البلد أمر غير طبيعى، ومن الخطأ أن نأتى ونُحمّل النظام وحده أزمة عودة الجماهير للملاعب أو الحياة الطبيعية للرياضة».
 
وتوقف الأستاذ رجائى عطية عن الكلام لوهلة، ثم عاد يقول: «إنت أخدتنى للكلام فى السياسة ليه أنا مابكلمش.. بس إنت سجلت؟!».
 
أجبته: لا يا أستاذ دونت ما قلته فى ذاكرتى لأنه كلام موزون ويدخل العقل.
 
أتمنى أن أكون قد أصبت فى تذكر ما قاله بالفعل، إنه كلام مهم، ولكن الأهم إدراك أن القضية أُغلقت جنائياً، وعلينا أن نتعاون لتجاوز آثارها النفسية والاجتماعية والرياضية حتى نعود لحياتنا الطبيعية.
 
■ ■ ■
 
فى برنامج تليفزيونى خليجى رياضى يقدم من الإمارات تحت عنوان «القاهرة أبوظبى»، ويقدمه المذيع الإماراتى يعقوب السعدى، ويتخصص فى مناقشة القضايا الرياضية المصرية البحتة، وقعت مشادة حادة بين الأستاذ فرج عامر، رئيس لجنة الشباب والرياضة، والعامرى فاروق، وزير الرياضة فى عهد الإخوان، أثناء مناقشتهما قضية عودة الجماهير للملاعب، حيث عرض فرج عامر ما اتخذ من خطوات على أرض الواقع، وانتقد العامرى ما تم اتخاذه وفقاً «لرؤيته النظرية»، وهذا نص لبعض ما جاء فى الحوار الذى أخذ شكل حديث الطرشان، كل طرف يتحدث ولا ينتظر رد الآخر.
 
فرج عامر: ما حضرتك كنت موجود يا سيادة الوزير (يقصد العامرى) والألتراس هجم عليك وجريت.. إنت بتتكلم كلام نظرى.. إنت جريت من الألتراس.. جريت وهربت.. إنت بتتكلم كلام غير مضبوط.. كلامك كله دعائى.. كلام غير واقعى.. إنت أول واحد بتجرى.. إنت كل كلامك غلط.. إنت وزير إخوانى.. إنت وزير إخوانى.. إنت بتتكلم غلط.
 
العامرى فاروق: لا.. هذا كلام غير مضبوط مع كل احترامى.. لا يا فندم كلام عيب.. هذا كلام مرفوض.. هذا كلام تحاسب عليه.. أنا راجل وطنى.. وأنا مش حسيب الكلام ده.. أنا عارف كويس قوى أنا مين وأسرتى إيه وبشتغل إزاى.. إوعى تزايد علىّ.. هذا كلام مرفوض.. كون أننى تحملت لبلدى فى وقت كان صعب.. ما الريس نفسه كان موجود جنبى.. الريس نفسه (يقصد الرئيس السيسى) كان موجود فى حكومتى.. وناس تانية كانت موجودة فى حكومتى.. إوعى تزايد على العامرى فاروق.. إنت بنفسك إمبارح كان كلامك غير النهارده.. إيه الناس كلمتك إن المشهد اتغير ولا إيه؟
 
هذا الحوار يأتى تجسيداً حياً لما قاله الأستاذ رجائى عطية، أن مصيبتنا قبل أن تكون فى عامة الناس هى فى النخبة التى لا تقبل الحوار مع الآخر أو حتى مع نفسها.
 
بالفعل، أصبت يا أستاذ.
 
■ ■ ■
 
تابعت تقريرا تليفزيونيا فى إحدى القنوات الرياضية عن فريق الأهلى مواليد عام ٢٠٠٠ بعد مباراتهم مع الإسماعيلى، والتى فاز فيها الأهلى بهدفين، وتضمن التقرير حوارات مع المدرب وبعض اللاعبين المختارين، ولم أفهم ما سر اهتمام القناة بهذا الفريق تحديداً، خاصة أنها لا تملك الحقوق؟ ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب، فأحد لاعبى الفريق (لن أذكر اسمه حفاظاً على صورته) ابن مالك القناة، والتقرير على سبيل المجاملة، خاصة أن القناة لا تتابع دورى الناشئين، وإذا كان من حق القناة أن تفعل ما تريد ولكن كيف سمحت إدارة الأهلى والمدرب بهذا التصرف الذى يضر بمصلحة الفريق ويخلق حساسية وتفرقة ويشتت اللاعبين ويعطى انطباعا بأن إدارة الأهلى تجامل لاعبا بعينه ومن أجله تكسر القواعد؟
 
لا أريد أن أخوض فى الموضوع حتى لا أظلم اللاعب، فربما يكون موهوباً، ولكن تمييزه بهذا الشكل سيضر به، والأخطر أنه يضر بقطاع الناشئين بالكامل ويضرب قواعد ومبادئ مستقرة لا تعرف التمييز والتفرقة والمحاباة والمجاملة.. مش كده ولا إيه يا كابتن أنور سلامة، (بالمناسبة الكابتن أنور هو المكلف من قبل لجنة الكرة بالإشراف على قطاع الناشئين لحين ترتيب أوضاعه).
التعليقات