عظمة المنتخب بين عقدة الإخوان وهفوة الوزير

تحرير : أسامة خليل

٠٩ فبراير ٢٠١٧ - ٠١:٤٤ م

 قول واحد لا فصال فيه: «ما حققه المنتخب الوطنى بالوصول إلى نهائى أفريقيا، وخسارته المشرفة أمام الكاميرون، إنجاز تاريخى فى وقته وزمنه وظروفه الصعبة».. وعظمة هذا الإنجاز وتاريخيته- رغم أننا لم نفز بالكأس- تكمن فى الأثر النفسى والمعنوى والفرحة والسعادة والانبساط والانشراح، التى تركتها هذه البطولة فى نفوس المصريين على اختلاف طوائفهم وألوانهم ودرجاتهم وفئاتهم.

حلاوة هذه البطولة وتاريخيتها أنها جاءت من بعيد عندما كنا نظن «أننا لا نستطيع»، وأننا «ضعفاء ومُفكَّكون» وغير مؤهلين أو مرشحين للوصول إلى الدور الثانى، أو أقصانا الذهاب والرجوع على نفس الرحلة، هذا كان ظننا بأنفسنا وبفريقنا، فخلف اللاعبون ظنوننا وانفجرت طاقتهم وغيَّروا الواقع، وتحدوا أنفسهم وهزموا إحباطنا وكسروا القواعد وحطموا الحواجز، فأعادوا لنا الثقة فى أنفسنا كأمة عظيمة تمر بمحنة لم تكسرها، وهذا هو الأهم من كأس البطولة.. فلأول مرة منذ زمن تتوحد مشاعرنا وتتلاقى أحلامنا ونقف حول مشروع نجاح منتخب 18 لاعبا من أعضائه هى أول مرة لهم يشاركون فيها فى بطولة قارية، ليصعدوا خطوة خطوة ويصمدوا مباراة تلو الأخرى، ويقع منهم خمسة لاعبين أساسيين، فلا يهتزوا أو تلين عزيمتهم، ويكملوا المسيرة حتى يصلوا إلى خط النهاية.
 
فعظمة القصة ليست فى الفوز بالبطولة أو التكريم المستحق، ولكن فى ملحمة الصمود والتحدى والإصرار والعزيمة والمثابرة، وهى عبرة وحكمة تحتاجها مصر الآن أكثر من أى وقت، وأتمنى أن يصل هذا المغزى المهم لهؤلاء الذين تركوا الإنجاز، وهذه الحالة الرائعة فى المكان والزمان المناسبين، وانصرفوا إلى أمور صغيرة وتافهة مثل سفر وزير الشباب والرياضة لحضور المباراة النهائية، فى رحلة شاقة ومجهدة ومرهقة بصحبة مجموعة من المشجعين، وبالمناسبة هو موقف جيد من الدولة، ومن شأنه أن يمثل دفعة معنوية للفريق، وهذا يحدث فى كل دول العالم، فلماذا نستنكره على أنفسنا؟ ولماذا تأنيب الذات وإثارة زوابع للشوشرة على المعنى الأسمى. أيضا خرج مَن يقول إن الإخوان (شمتوا) فى خسارة المنتخب.. وعن نفسى لم أشعر بذلك، ولم أسمع به، ولكن حتى ولو كان هناك بعض «الشاطحين» فهم يبقون قلة لا تحتاج للتركيز عليها حتى لا نعطيهم حجما أكبر من حجمهم ونخسر ثواب التوحد والاتحاد الذى عشناه لمدة شهر.
 
أما القول: إننا كنا الأضعف وإن الحظ ساندنا، فالأصح منه أن نقول: كنا الأقوى والأكثر إصرارا وعزيمة وتضامنا وتحديا، فحالفنا التوفيق.
 
و«مبروك لمصر لـمّتها»، التى أتمنى ألا تعود لتتشتت، غداً، (فى الكرة فقط)، ونحن نتابع مباراة السوبر المرتقبة بين الأهلى والزمالك فى دولة الإمارات الشقيقة الجميلة الحنونة.
 
■ ■ ■
 
إذا كان لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ فالأكيد أننا جميعاً غارقون فى ارتكاب الهفوات.. والهفوة هى خطأ بسيط غير مقصود يرتكبه الشخص عن غير عمد، والاعتذار هو السبيل الأمثل والأسرع لمسح أثر تلك الهفوة أو الخطأ البسيط، ذلك عندما يكون مرتكب الهفوة شخصا عاديا لا يمثل سوى نفسه.
 
ولكن عندما تأتى الهفوة من مسؤول كبير أو رجل دين أو وزير أو صاحب سلطة فإن أثرها يكون كبيرا ورد فعلها عند الرأى العام أو الشعب يكون عظيما، والاعتذار لا يكون كافياً لمحو الضرر الذى تخلفه، وفى بعض الأحيان قد تكلف المسؤول الإطاحة به من منصبه مثلما حدث مع المستشار الكبير أحمد الزند، الذى أُقيل من منصبه وزيرا للعدل على أثر هفوة وزلة لسان لم يقصدها أو يتعمدها، فى حوار تليفزيونى عندما أخذته الحماسة فى التعبير عن إصراره على إنفاذ القانون على الجميع، فقال: «سأنفذه (إنشا الله) يكون على النبى عليه الصلاة والسلام.. أستغفر الله العظيم»، فرغم أنها كانت هفوة لسان لا تعبر عن حقيقة ما يكنه من احترام للرسول الكريم، ورغم أنه استغفر ربه فى نفس الجملة عما ظهر من كلماته، ورغم أنه خرج بعدها وكرر الاعتذار وطلب العفو والمغفرة من الله ورسوله، فإن النظام السياسى لم يتحمل أن يواجه هفوة الوزير أمام الرأى العام وأقاله أو (استقاله) عقاباً على تلك الهفوة.
 
والآن يأتى دور المهندس خالد عبدالعزيز، وزير الشباب والرياضة، ويقع دون قصد (على ما أظن) فى هفوة من شأنها أن تثير الفتنة وتفتح نيران الخلاف بين الحكومة وجماهير الأهلى، وتكسر حالة الحياد الذى من المفترض أن تكون عليه العلاقة بين الأندية والمؤسسات الرياضية.
 
والحكاية بدأت عندما كتب محمد المغربى، أحد أعضاء الجمعية العمومية للنادى الأهلى، على صفحته الشخصية فى موقع التواصل الاجتماعى (فيسبوك) ما نصه: «السيد الوزير (الزملكاوى) خالد عبدالعزيز.. يشهد الأهلى حاليًا فترة من أفضل مواسمه سواء على مستوى الإنشاءات والخدمات أو على مستوى الألعاب الجماعية وكرة القدم».
 
وتابع: «يقدم المجلس الحالى تحسنا كثيرًا من أول مواسمه، ويعلم الجميع حجم الخلاف بين المجموعة الحالية والمجموعة التى رفضت التعيين.. وكلتا المجموعتان من الشخصيات المحترمة جدًا على المستوى الشخصى، وأفتخر شخصيًا بمعرفتهما وصداقتهما، ولكنهما ليستا على وفاق».
 
وأردف: «لماذا الإصرار على هدم استقرار النادى بقرار غريب ومريب وتعيين كامل المجلس من جديد.. لماذا لا تستطيع نسيان أنك زملكاوى، ويصعب عليك رؤية النادى الأهلى مكتسحا جميع الألعاب والبطولات؟!».
 
واختتم: «لماذا تريد جر النادى لدوامة جديدة من الصراعات؟.. لماذا هذا القرار وسط انشغال مصر بالمنتخب؟.. لن ينسى لك جمهور الأهلى محاولاتك المستميتة لهدم الاستقرار وإنجازات النادى!».
 
ورغم أن الكلام فيه قسوة واتهام مباشر للوزير، فإن «المغربى»- وهو بالمناسبة من المعارضين لمجلس الإدارة، وأحد المرشحين فى الانتخابات الأخيرة أمام قائمة المهندس محمود طاهر- نشر رأيه على صفحته الشخصية، معبراً عن وجهة نظره.
 
ولكن المشكلة وقعت عندما قرر وزير الشباب والرياضة أن يرد على المكتوب، وعن نفسى أراه أمرا محمودا أن يجد الوزير وقتاً وسط مشاغله- بالمناسبة كان وقتها يجهز للسفر إلى الجابون لمؤازرة المنتخب الوطنى فى نهائى أفريقيا- لمتابعة ما يُكتَب على صفحات «فيس بوك» لأعضاء الأندية والمسؤولين واللاعبين، وهى حسابات بالآلاف، ولكن المشكلة أو الهفوة الكارثة كانت تكمن فى رد الوزير على حسابه الشخصى الرسمى، حيث رد قائلاً: «كيف تنتظر رد امن زملكاوى يصر على هدم النادى؟! سلامًا».
 
كلمات قليلة، لكنها كفيلة بأن تثير الفتنة والضغينة فى المجتمع، فى وقت توحدت فيه مصر عن بكرة أبيها خلف المنتخب الوطنى، واختفت نعرة التحزب للأهلى أو الزمالك، فيأتى الوزير المنوط به الإشراف من قِبَل الحكومة على شؤون الأندية بمختلف ألوانها وأطيافها، والذى من المفترض أن يقف على مسافة متساوية بينها جميعاً، الأحمر والأبيض والأصفر والأخضر، يأتى ليعترف ساخراً بأنه زملكاوى (وهو بالفعل زملكاوى الانتماء، وهذا ليس عيباً أو نقيصة)، ولكن العيب أن يجاهر بهذا الانتماء، فى موضع رد على عضو فى الجمعية العمومية للأهلى، ثم يزيد ويؤمِّن على مقولة: «إنه يريد هدم الأهلى»، فلا ينكرها ولا يتجاهلها، بل يعيدها؟!
 
ورغم أننى على يقين أن المهندس خالد عبدالعزيز لم يكن يعنى حقيقة العبارة التى ذهب بعيدا فى ترديدها، فوقع فى هفوة مثل هفوة المستشار «الزند»، فهو الآخر لم يكن يقصدها، ولكنه اعتذر عنها، وهو الأمر الذى لم يفعله وزير الشباب، الذى اكتفى بحذف (البوست)، وتجاهل أو ربما لا يدرك أن هناك مَن أخذ صورة لـ«البوست» ليكون قرينة على خطئه. وسواء كان هو مَن كتبه بنفسه أو وكل أحدا بالرد باسمه على حسابه الشخصى، فسيظل أمام الرأى العام هو مَن يتحمل المسؤولية، وأمام الحكومة مَن يثير بـ«هفواته وبوستاته» أزمات لا ذنب لها فيها.
 
وتعالوا نناقش الموضوع الذى ثارت بسببه الأزمة، وهو تفكير الوزير فى إعادة تعيين مجلس إدارة الأهلى بالكامل، بمن فيه الخمسة المستقيلون أو الذين تقدموا للوزير خالد عبدالعزيز نفسه باعتذار مسبب عن عدم قبول قرار تعيينهم قبل عام، باعتبار قرار تعيينهم يضرب استقرار ومبادئ الأهلى، ولم يتفهموا أن إعادة تعيينهم جاءت احتراماً لقرار الجمعية العمومية بانتخابهم، وقفزاً على حكم قضائى بحل مجلسهم المنتخب دون ذنب اقترفوه، ولا أعلم ما الجديد الذى حدث أو المتغير الذى طرأ على موقفهم كى يقبلوا هذه المرة قرار الوزير؟ وكيف للوزير أن يصدر قرارا بتكليف شخص بمهمة سبق أن رفضها لسبب مازال قائما؟ ألا ينتقص هذا من هيبة الدولة؟ وهل إصرار الوزير على تعيين الخمسة المعتذرين قرار حَسن النية، خاصة أنه لا يوجد قانون أو لائحة ملزمة تجبره على تعيينهم أو قانون أو لائحة تلزمه بتعيين مجلس من خمسة أو ثلاثة أعضاء؟ ولماذا طرح هذا القرار بهذا الشكل المعيب شكلاً وموضوعاً فى هذا التوقيت، حيث الشعب متوحد خلف المنتخب، وحيث فريق الأهلى يستعد لخوض مباراة السوبر، وإثارة هذه المشكلة من شأنها أن تُصدّر التوتر لجميع العاملين فى النادى، بمن فيهم الجهاز الفنى ولاعبو الفريق الأول؟!
 
وإذا كنت لن أخوض فى الإجابة عن هذه التساؤلات التى قد تأخذنى إلى ما وصل إليه «المغربى»، فإننى سأكتفى بذكر ما أنجزه مجلس الأهلى محدود العدد، حيث حقق أعلى ميزانية فى تاريخ الأندية، وحقق مائة مليون جنيه فائضا، بعد أن كان مديناً بـ150 مليون جنيه من المجلس السابق، وهو النادى الوحيد الذى سدد ديونه للضرائب، وحقق إنجازات إنشائية تفوق التصور فى فرعى الجزيرة ومدينة نصر، وافتتح فرع الشيخ زايد، وقبل أيام دفع عشرة ملايين جنيه مقدم شراء أرض النادى الجديد فى التجمع الخامس.
 
■ ■ ■
 
محمد عبدالوهاب: محنة وستمر، وحبك للأهلى وعطاؤك أكبر من أن تمحوه محنة عابرة.. أرجوك عد سريعاً.
التعليقات